واقعنا العربي (فكرة للإصلاح)

كتبهانحو غد ... مشرق ، في 1 ديسمبر 2006 الساعة: 05:38 ص

هل هناك بصيص أمل يخترق الظلام المدلهم حولنا ؟ وهل في الإمكان أن ينهض المجتمع العربي فيتخلص من القوى الساطية عليه، خارجاً وداخلاً، وينطلق في مسارات التقدم، أو قضيَ عليه أن يظل في المؤخرة وأن يبقى فريسة من يتحكم به؟ هل ثمة جدوى من (العمل) في سبيل قضايا يبدو أنها فاشلة حتماً، وهل ثمة بديل ثابت وواضح للإحباط والهروب أو للانصراف إلى تقصي المصالح الشخصية وإرضاء الشهوات الغريزية؟

 

إن قصدنا من هذا الحديث هو الحث على تحري ((إمكانات)) الأمل الحافز و((احتمالات )) العمل المجدي . ولكن لابد لنا قبل ذلك من أن نؤكد حقيقة إن لم نستوعبها استيعاباً لايبقى مسوغ لمتابعة هذا الحديث،                  بل لبداءته أصلاً .

هذه الحقيقة هي أن مطالب التحرر والتحضر لا تحصل بمسحة سحرية أو بقضاء قدري أو بانقلاب سريع، وإنما بالصمود الواثق والعمل الجاد المتمادي والبذل الطوعي الرضي من أجل استحقاق ((حق تقرير المصير )). وتأييداً لذلك نذكر أن جميع الانقلابات التي حدثت في مختلف البلاد العربية لم تحقق الوعود التي نثرتها في ساحة بلادها وفي الساحة العربية المشتركة ولم تؤد إلى التقدم المنشود، وإنما حافظت على التخلف الراهن بل دفع بعضها إلى درجات الأدنى ومواقع أشد ضيقاً وخطراً.

وساد الأجواء العربية أجواء من الإحباط والضياع . وأخذنا نسمع من كل جهة من الجهات أصواتاً تطالب بإعداد خطة قومية شاملة، أو خطط متكاملة متماسكة، للانخراط فيها والإقبال على الإسهام في تنفيذها. إن المطالبين بمناهج ((الإنقاذ))  هذه فريقان: فريق ينادي بها تبريراً لقعوده وإحجامه عن البذل المطلوب، وآخر صادق ضائع حقاً وهائم في الآفاق ينشد الهداية إلى السبل الصحيحة . وواضح أن الفريق الأول غير جدير بالعناية، ولا يستحق سوى الكشف والفضح لإظهاره على حقيقته وللتحذير من الوقوع في هوته. أما الفريق الثاني الصادق في تيهه وحيرته فهو الحري بالهداية والعناية الساعي إليها والمستفيد منها. لهؤلاء نقول لا ضرورة للعمل التحرري التحضري أن ينتظر اكتمال خطة معينة، أو أن يفوز بالسلطة فريق أو حزب ؟أو قائد أعلى، للقيام بالواجب.

فواجب أي مواطن في متداول يده أينما يكن. يكفيه أن يظل ثابتاً في خندقه، مكافحاً أشكال الفساد الساري فيه وفي غيره، وعاملاً في تحرير نفسه ومن يستطيع من أبناء مجتمعه، وفي رفعهم في سلم الارتقاء والاستحقاق . إن من يتأمل حالنا الحاضرة يجد ساحاتنا تموج وتعج بالأفراد والجماعات الهاجرين خنادقهم الهائمين على وجوههم المطالبين بالاستراتيجيات والخطط والمناهج ، دون أي تقدم في اتجاه صحيح . وليست هذه المطالبة في ذاتها شراً أو سوءاً، ولكنها تصبح كذلك عندما تتخذ عذراً في إهمال القيام بالواجب وبديلاً للعمل الجاد الذي لايحتمل التأجيل، وللبذل السخي، وهو أول المطالب لمن ينوي فعلاً الخروج من الأزمة وإنعاش الأمل والرجاء.

لو ثبتنا في خنادقنا، وتبعنا الطرق التي تفرضها علينا قيمنا وأخلاقنا لما عدمنا فُرصاً لإصلاح الذات والإسهام في إصلاح الغير، ولو بقدرٍ محدود.

هذا القدر المحدود هو كنقطة الماء. فإذا تلاقت نقاط الماء من هنا وهناك كونت، على مدى  الزمن سواقي، وتلاقت السواقي وكونت أنهاراً زاخرة .

أما من يبغي القفز فوق الزمن أو الإيغال في اختصار مراحل التطور فهو معرض للإحباط ولفقدان الأمل بسبب خسائر جديدة تجلبها شدة الاستعجال والإرغام .

فلنبدأ بأنفسنا ثم بمن يجاورنا في ساحة الوطن أو في الساحات الإنسانية، مكافحين مظاهر الفساد أينما تقع، وشاقين بثورة القيم والأخلاق دروباً أمينة لمستقبل أفضل، مهما يكن طريقها وعراً أو منالها بعيداً. فالعبرة في ((النضالية))، مقاومةً أو إصلاحاً، هي بالنوع لا بالكم وبالمستوى           لا بالحجم .

ويبقى الصدق مع أنفسنا ومع الغير، نبراس الفضائل وضابطها .

 

 

 

 

· منقول بتصرف من خاتمة كتاب ما العمل؟(حديث إلى الأجيال العربية الطالعة ). للمؤلف الدكتور قسطنطين زريق

من إصدارات مركز دراسات الوحدة العربية.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر